منجد شريف
دخلت الهدنة حيّز التنفيذ، أو هكذا قيل لنا،لكن خلف ستائر الوعود الدولية، كان العدو يمارس هوايته القديمة في نكث العهود، ليعود دويّ القذائف ويمزق صمت الانتظار.
ومرة أخرى، رأيت المشهد الذي يأبى أن يغادر ذاكرتنا: عائلاتٌ تحزم ما تبقى من كرامتها وأمتعتها وتهمّ بالنزوح مجدداً. كأن القدر حكم علينا أن ندور في دائرة مغلقة، لا بداية لها ولا نهاية، في ظل عدوانٍ مستمر لا يقيم وزناً لمناشدة دولية، ولا يحترم جهةً راعية، حتى وإن كانت "الولايات المتحدة" ذاتها.
أمام منزلي المؤقت، الذي أقطنه بفضل مبادرة كريمة من ابنة خالتي، تمتد مساحة صغيرة من الأرض. نظرت إليها وسط هذا الخراب، فراودتني فكرة حراثتها. لم يكن الدافع مجرد تمضية للوقت المثقل بالقلق، بل كان محاولة لخلق بقعة ضوء خضراء في زمن العتمة، ومساهمة متواضعة في تأمين صحن الخضار اليومي الذي بات تأمينه جهاداً بحد ذاته في ظل الغلاء الفاحش.
حملت المعول، وبدأت أشق صدر الأرض بخطوط عامودية منتظمة، وهي الطريقة التي حُفرت في ذاكرتي منذ الطفولة حين كنت أراقب العمال في حقولنا بذهول وشغف. وبينما كنت غارقاً في إيقاع المعول، استوقفني مشهدٌ هزّ كياني:
لقد عبثتُ بغير قصد ببيتٍ للنمل
في لحظة، تحول الهدوء إلى فوضى عارمة،خرج أفراده في حالة من الذعر والشتات، يبحثون عن مأمن في رحلة نزوح قسري فرضتها عليهم "هوايتي" الزراعية.
توقفتُ طويلاً أمام هذا المشهد، وتساءلت بمرارة: ما معنى العدالة؟ وكيف تتحقق، سماوياً أو اجتماعياً، في عالم تُسحق فيه الكائنات الضعيفة بلا ذنب؟
لقد رأيت في ذعر النمل صورتنا نحن. نحن الذين ننزح يومياً تحت وطأة القصف العشوائي. كأننا في نظر المعتدي مجرد "بيت نمل" يُدمر بلا حساب، لا قانون يردعه ولا قيم توقفه. هو يرى في تدميرنا "ضرورة" لمشروعه، تماماً كما يرى المزارع في حراثة أرضه ضرورة لزرعه، دون أن يلتفت للمصائر التي يسحقها تحت قدميه.
لكن، هنا يبرز الفارق الجوهري الذي يمنحنا الصمود،المزارع قد يجهل مصير النمل، أما المعتدي فيعلم تماماً أن خلف الجدران التي يهدمها بشراً وأحلاماً وتاريخاً.
ومع ذلك، تبقى إرادة الحياة هي القاسم المشترك الأقوى. النمل، رغم فداحة خسارته لا يستسلم. بعد الفوضى ، يبدأ فوراً بإعادة التنظيم والبناء. . ونحن كذلك، رغم قسوة النزوح ومرارة الخراب، نقاوم بالبقاء، وبالتمسك بالحق، وبإعادة غرس الأمل كلما اقتلعه العدوان.
إن ما فعلته ببيت النمل، وما يفعله بنا العدوان، يجمعهما خيط واحد من الألم، لكن تفرقهما "الغاية". نحن لسنا مجرد ضحايا صامتة،نحن كائنات تقاوم الفناء بالبناء. فبينما يحرث العدو أرضنا بالموت، سنظل نحن نحرثها بالمعول، لنثبت أن إرادة الحياة، حتى في قلب الخراب، هي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن سحقها.





